yes لنداف لبيد..نشيد الإبادة
سماح بصول

يحظى فيلم "yes " للمخرج الإسرائيلي نداف لبيد بالكثير من الاهتمام والنقاش داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه، فهناك من يرى فيه انعكاسًا للحالة الأخلاقية البائسة التي وصل إليها المجتمع، وهناك من يرى فيه نقدًا لعالمي السياسة والفن، وآخرون يرون الفيلم مسيئًا لصورة الإسرائيلي ودولته، خاصة وأنه بدأ يطوف المهرجانات العالمية قبل انتهاء حرب الإبادة ضد قطاع غزة.

تدور أحدث الفيلم في إسرائيل ما بعد السابع من اكتوبر، وبطلاها عازف بيانو وملحن وزوجته الراقصة، اللذان يستعدان لفعل أي شيء من أجل لقمة العيش، لكن في هذا تنازل كبير عن الكثير من الضوابط.
يتعرف الزوج الملحن على ثري من أصول روسية يرغب في تغيير النشيد الوطني ويحتاج ملحنًا شابًا، يأخذ الملحن المهمة بالكثير من الانفعال والجدية، ويتم الاحتفاء بوضع اللحن المناسب لنشيد وطني تعبر كلماته عن الرغبة والسعي لمحو الآخر.

لغة النشيد

والنشيد الوطني هنا ليس نشيدًا بمعناه الرسمي، بل نشيد ساخر يضم سلسلة من التصريحات والتأكيدات الجماعية التي تُكرِّر كلمة الموافقة "نعم"وتُصوغ القيم الوطنية بأكثر الأشكال تطرفًا: I believe Gaza must gone.

يستخدم لابيد تكرار "نعم" كدلالة على الموافقة المطلقة والطاعة والولاء، والتعاطي مع الجيش والدولة كمركبات أساسية للهوية الإسرائيلية الجديدة التي ولدت بعد 7 اكتوبر.

يُوظّف النشيد كأداة درامية نقدية يكشف من خلالها كيف يمكن للغة أن تصبح آلية للسلطة والإذعان.

من قلب القصة الاجتماعية ل "ي" وزوجته ياسمين، اللذان يبيعان أنفسهما جسدا وروحا لنخبة الأثرياء التي لا تتورع عن تنفيذ أي طقس من الطقوس الجنسية المنحلة والدعارة المفرطة والتي يقدمها لابيد في الفيلم بالكثير من الاستفزاز الذي يصل حد البورنوغرافية المزعجة، محاطين بالنخب الأخرى من القيادات العسكرية والسياسية؛ تبرز قصة أكبر لمجتمع أصبح يفتقد لكل وازع أخلاقي.

فيلم مزعج

بعد السابع من أكتوبر لبس المجتمع الإسرائيلية بغالبيته العظمى ثوب الحداد وغطى عيناه بساتر أسود حالك فلم يعد يرى سوى الرغبة في الانتقام، من هنا جاءت الفكرة لدى أحد الأثرياء الذي لا يردعه شيء، إلى اقتراح تغيير النشيد الوطني، والزج بكل المشاعر الانتقامية فيه فيقول: سينزل الليل على شاطئ غزة، الطائرات ستقصف، بعد سنة لن تبقى هناك، سنقضي عليهم جميعًا. يقدم لابيد النشيد الجديد بصوت مجموعة من الأطفال يلبسون الأبيض، وفي الخلفية صور الدمار الحقيقي من قطاع غزة.

ان هذا الفيلم راديكالي ومزعج في الكثير من المشاهد، صاخب وفيه مجموعة متنوعة من الأساليب التي قد تصعب عملية استيعاب القصة من اهتزاز الكاميرا، إلى الوميض المتسارع، وتشوش واضطراب الصور، والموسيقى الصاخبة. والتساؤل حول موت الأخلاقيات أو موت الفن أو الانغماس في الشعبوية والتطرف، كلها حاضرة، ويصبح من الصعب الإجابة عليها والادعاء بأن الفيلم جاء لينتقد موضوعًا دون غيره بسبب التكثيف في العناصر. ولكن قد يكون هذا التكثيف هو موقف المخرج نفسه والصخب الذي يدور في رأسه حيال الموضوع الذي يقدمه، فكل شيء ضبابي. ان هذه الفوضى هي تعبير عن الوضع الحالي والمصائب التي يمكن أن تترتب عليها في المستقبل.

يظهر الفلسطيني في فيلم "يس" ضمنًا، لكنه غائب تمامًا كشخصية، وقد عزى لابيد ذلك في إحدى حلقات النقاش بالقول أنه يعرف مجتمعه ولذلك يسهل عليه الحديث عنه، لكنه لا يعرف المجتمع الآخر – أي الفلسطيني- لذلك لا يمكنه تقديم شخصيات فلسطينية في أفلامه.

هل هذه دعوة لمشاهدة الفيلم؟ ليس بالضرورة! لأن ما يقدمه لابيد في فيلم من نقاش حول الأخلاق والحرب والمحو هو نقاش داخلي إسرائيلي، ولو أنه تأثيره مباشر على الفلسطيني، إلا اني أعتبر مقولة الفيلم موجهة لأصحاب القصة، لينظروا في المرآة ويروا التغييرات التي طرأت عليهم، ليتمعنوا في صورة جوقة أطفال صغار تمجد محو أطفال بمثل عمرهم، ويستخلصوا العبر حول المستقبل.

جميع الحقوق محفوظة © 2026