The Substance حين يصبح الجمال قبرًا
سماح بصول

(الصورة من الفيديو الترويجي للفيلم)

كم مرّة ضحكتم عند مشاهدة امرأة في مسلسل سوري حديث يتحدث عن فترة الانتداب الفرنسي؟ كم مرّة قلتم لأنفسكم أو لمن يشاهدون معكم "ع زمن الانتداب كان بوتوكس"؟ كم مرة شعرتم بأن ملامح الشخصية التي تشاهدونها غريبة ومصطنعة؟

ان عمليات التجميل والترميم التي تجريها بطلات الدراما السورية ليست حكرًا عليهن، انها مصانع تمطر على كل العاملين والعاملات في السينما والتلفزيون، فأصبحوا جميعًا في حالة تراجع عمري، لا يشيخون، لا تتجعد جلودهم، ولا تتسق هذه الوجوه غالبًا مع باقي الجسد الذي يرفض الانصياع.

لكن هناك من وجد الحل لهذا الجلد الندّ، هناك من يريد ان يقدم لصناعة السينما والتلفزيون المزيد من الأجساد الطريّة الناعمة اللامعة التي تثير الشهوة وتفتح العيون والأفواه والآذان، وتطفئ العقل! هذه حكاية فيلم " The Substance" الذي تقوم ببطولته ديمي مور ومارغريت كوالي.

إليزابيث نجمة تلفزيونية تقدم برنامج الرياضة الصباحي (هل تذكرون برنامج "ما إلك إلا هيفاء" اللبناني؟)، مع تقدمها في السن ظهرت التجاعيد على وجهها، وخفتت استدارة مؤخرتها، فأصبحت عبئًا على ايرادات القناة. بكل فظاظة، دون أي اعتبار لنجوميتها ومشاعرها، يتم ابلاغها بأنها سنتهي عملها قريبا لأن القناة تبحث عن مقدمة أكثر شبابًا لا يتجاوز عمرها الثلاثين عامًا. هذا الخبر الصادم الذي يقدم ضمن مشهد جميل فيه الكثير من الرسائل حول التقدم في السن وجشع صناعة الترفيه، يشتت اليزابيث التي تتعرض لحادث طرق. في المستشفى يقدم لها أحد الممرضين اقتراحًا: نسخة محدّثة منها، أكثر شبابًا وجمالًا وإثارة، وفرصًا للنجاح.

تقوم اليزابيث بالتجربة وتخرج منها نسخة عن نفسها تتفوق عليها في كل ما تحتاجه الصناعة التلفزيونية، هنا تبدأ رحلة امرأتين نحو القبر.

من الدم إلى الدم

في بدايته يقدم الفيلم لقطة عابرة يتضح لنا لاحقًا كم هي قيّمة على مستوى المعنى. يركض شخص فوق النجمة التي تحمل اسم اليزابيث في شارع المشاهير، فيقع منه البرغر وما يحتويه من معجون البندورة (الكاتشاب)، يلملم الشخص اللحم والخبز عن الارض ويمسح البندوره عن النجمه تاركًا الكثير من الأثر. في النهاية تعود الينا هذه الصورة ليغطي دم اليزابيث ارض الشارع فتمسحه آلات التنظيف البلدية- هكذا يدفن جسد اليزابيث ويمسح دمها ولا يبقى منها إلا اسم على ارضية الشارع تدوسه الأقدام. فهل يريد الفيلم ان يقول شيئًا خاصًا للنجوم؟ هل يقدم لهم تصورًا مستقبليًا عن مصيرهم؟

لا يمكننا مشاهدة الفيلم وحصره في قصة عن نجمة تلفزيونية، لقد اصبحنا جميعًا نرغب في النجومية، ونتعلّق في البقاء شبابًا، نجومية شبكات التواصل الاجتماعي التي خلقت لنا "الفلاتر" لتجعلنا نبدو اكثر جمالًا واشراقًا. لكن في الواقع هناك أسطول كبير من الفلاتر الكيماوية والخيوط والحقن والمشارط، والكثير من الألم الذي يتعرض له الناس بإرادتهم أملًا في تغيير أشكالهم والحصول على نسخة أفضل من أنفسهم.

ليس من حق أيّ منا ان يحمل سيفًا يحارب به كل من يرغب وترغب في إجراء التجميل، ولا يمكن ان نفرغ على آذانهم سيل من المحاضرات، فالرضى عن الذات شكلًأ ومضمونًا قضية لا حسم فيها. لكن ما يعكسه الفيلم هو خطورة المبالغة، ورفض الحقيقة الثابتة بأن الجسم يتغيّر.

اضافة الى الدخول في النفس البشرية وفي الرغبة بالتمتع بكل ما تتيحه الحياة بلا نقصان او توقف، يوجه الفيلم سهامه نحو صناعة النجوم، وما يفرض على هؤلاء من أوامر صارمة، وإهانة، وتشييئ واستغلال، فنستعيد خلال مشاهدتنا صور نجمات اخترن الانتحار بسبب تعرضهن للكثير من الضغوطات ليبقين جميلات وشابات ومغريات.

الجنس- مطب الرجال

لا يضع الفيلم الرجل وسط هذا الصراع بشكل مباشر لكنه يشير اليه بوضوح في أحد المشاهد حين يلمح مدير التلفزيون لاليزابيث بأنه في جيل ما لا يعود الجل قادرًا على ممارسة العلاقات الجنسية كما كان، ويحمل في يده حبة من القريديس الملتوية، يلوح بها، ثم يأكل ما فيها ويرمي القشرة الصدفية في إشارة إلى أن الرجل أيضًا - ربما في صناعة التلفزيون والسينما وربما في مجالات أخرى- سيجد نفسه مهملًا فارغًا بلا قيمه إذا ما تقدّم في السن ولم يعد يشكّل مثالًا للرجولة.

الطريق نحو القبر

خلال رحلة تبادل الأدوار ما بين اليزابيث ونسختها الشابة التي تطلق على نفسها اسم "سو" يظهر لنا الفيلم مدى حب الإنسان للحياة، قد تبدو هذه الجملة عادية وباهته، لكن طمع الشابة في الحصول على المزيد من الوقت ولهفتها للتجربة والمغامرة، يقابله طمع إليزابيث في التمتع بما تبقى لها من نجومية وملامح. تشد كل من المرأتين حبل الحياة نحو نفسها، فترد عليها الأخرى بما يؤذيها، تسحب "سو" المزيد من السوائل العضوية من جسد إليزابيث لتغذي نفسها، فتنكمش اليزابيث وتصبح أكثر عجزًا، للانتقام؛ تبدأ إليزابيث بأكل كل ما يضر بجسم "سو" الجميل والمثير: الدهون والسكريات والنشويات. تمتد هذه الحرب طويلًا حتى يندمج الجسدان معًا في هيئة مسخ.

هذا الصراع بين الشخصيتين ليس صراعًا من أجل الشهرة فقط، بل صراع بقاء ومعنى. رغبة المتقدّم في السن في أن يكون له دور، وأن يكون فاعلًا، ولديه هدف يصحو من أجله كل صباح. يقابل هذا صراع يُقصي فيه الأصغر سنًا حقيقة ثابتة، تتبدل فيها الأدوار. في النهاية لا فائز في هذه الحرب، فالصغار يكبرون، والكبار يتبدلون، ويبقى استعمار رأس المال على حاله، يمتص كل ما فينا من شغف وإرادة وجمال، وكلّما طمعنا أكثر حوّلنا إلى مسوخ!

جميع الحقوق محفوظة © 2026