يونان.. غريبٌ آخر
سماح بصول

(الصورة من الفيلم)

"فَقَامَ يُونَانُ لِيَهْرُبَ إِلَى تَرْشِيشَ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ، فَنَزَلَ إِلَى يَافَا وَوَجَدَ سَفِينَةً ذَاهِبَةً إِلَى تَرْشِيشَ، فَدَفَعَ أُجْرَتَهَا وَنَزَلَ فِيهَا، لِيَذْهَبَ مَعَهُمْ إِلَى تَرْشِيشَ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ." ( سفر يونان، الإصحاح الأول، آية 3)

هل هرب منير من وجه الرب كما فعل يونان النبيّ؟ هل كلفه بمهمة لم يستطع تنفيذها؟ هل كانت مهمة صعبة تدفع بمنير للانتحار؟ كيف أوصله الرب للقاء البحر الهائج ولم يُغرقهُ؟


في فيلمه الأخير، يتحفنا أمير فخر الدين مرّة أخرى. "يونان"، فيلمه الروائي الطويل الثاني، يخاطب فيلمه الأول "الغريب"، كلاهما غريبان، وحيدان، محاطان بالناس دون أن يشعرا بوجودهم، يستدفآن بالحب للحظات قصيرة، ثم يعود احساس الاغتراب ليلفهما إلى أن يحين موعد الهرب.

خلال شتاء ما، من أعلى تلة في الجولان ينظر "عدنان" نحو شمال غرب العالم، هناك في شتاء بارد آخر، يجلس "منير" قرب الشباك حاملًا مسدسه الصغير، محاولًا الانتحار للخلاص من إحساسه بالغربة، والغربة ليست في بعده عن وطنه فحسب، بل في الحياة وسط أفراد كُثر لا تجمعهم لغة ولا عاطفة ولا تقليد، وفي عدم قدرة الكاتب إتمام روايته.

يعيش منير مغتربًا عن الوطن، يشعر بضيق وفراغ، يكتب رواية نقلًا عن قصة كانت والدته ترددها على مسمعه قبل إصابتها بالزهايمر، تقف الرواية عند مشهد ما دون تقدّم كما توقف ذهن والدته عن جمع المزيد من الذكريات، فتصبح الكتابة عبئًا بدل أن تكون متنفسًا. يتجلى الضيق في معاناة منير من مرض ضيق التنفس، وكأن الجسد يقول ما لا يمكن للسان أن يقوله.

رجل بلا لسان والعهد القديم

يكتب منير رواية بطلها رجلٌ فقد بعضًا من أعضاء وجهه، وهذا انعكاس لنفسية الكاتب الذي يتلذذ في تشويه البطل، ليقول من خلالها أنه فقد متعة الحياة، فلم يعد يرى تفاصيل المكان، ولم يعد يشمه، ولم يعد يغريه جمال الحياة الذي يقف أمامه على صورة زوجة جميلة جدًا لم تبتسم قط.

ان ابتكار أمير فخر الدين لكل هذه الشخصيات، ونسجها معًا في طبقات لا تكتمل واحدة منها دون الأخرى، يدفع بالمشاهد للتعاطي مع الحكاية كلغز، يجعل المشاهدة متعة ذهنية وحسية، فبطلنا منير رجل عصري في شكلة ومسكنه، لكن بطل روايته سبق التاريخ، راعٍ وزوجته يبدوان كشخصيات قصص العهد القديم.

والعهد القديم لم يحضر هنا صدفةً، فمنير يسلّم نفسه لليأس والرصاصة بعد أن يمر القطار ثلاث مرات، تمامًا كما صاح الديك بعد أن أنكر بطرس يسوعًا ثلاث مرات.

يتعاظم التناص مع حمل الفيلم اسم "يونان"، ويونان النبيّ (بونس) غادر أرضه قاصدًا أرضًا أخرى هربًا من مهمة أوكلها إليه الرب، فاعتلى سفينة مكث فيها ثلاثة أيام، ولكن موجًا ضرب السفينة جعل من عليها خائفين فرأى يونان أن تضحيته بنفسه خير من التضحية بالجميع فقُذف في البحر لكنه لم يغرق، بل اكتشف عظمة خالقه حين أرسل إليه الحوت. ومنير حينما ركب السفينة قاصدًا جزيرة نائية تتيح له إنهاء حياته بعيدًا عن ضجيج المدينة، ضرب الموج الجزيرة لكنه لم يبتلعه، بل رفعه إلى علياء الإنسانية، حيث يجتمع الناس، يربتون على أكتاف المنهكين، ويُراقصون الأمل، ويشربون نخب الحياة البسيطة والقناعة والرضى. لعل هذا الاجتماع مع الأغراب هو يد الله التي تمتد لتسحب المسدس من يديّ منير وتحول دون انتحاره.

على عكس والدته التي تكرر نفس الحكاية وتذكرنا يقصة "ابريق الزيت" الشعبية، تظهر شخصية صاحبة الفندق لتبسط الامور وتختصر الحكايات وتمسح ما تشوش من تفكير منير. هكذا تعيد الاتساع لخياله كي يتابع كتابة روايته وينهيها.

الرمزية.. سحر الفيلم

لا مكان للصدف أو الحشو في هذا الفيلم، فكل تفصيل موظف بعناية، وتتمتع الرمزية بسحر يأخذنا في رحلة بين الواقع والخيال. فمن يمعن النظر في اسم بطلنا "منير نور الدين" يرى خيال أمير فخر الدين، ويجعلنا هذا نفكر في تجربة المخرج الشخصية وكيفية امتزاجها في حكاية نسجها كقطعة صوف لكن زوجة الراعي اختارت تفكيكها و "فرطها" لتمنحة امكانية اعادة نسج الحبكة، حبكة رواية منير التي تجمدت. هذا الامتزاج ما بين الواقع والخيال يكون عونًا لنا في فهم ما يتكرر من تفاصيل، وكأن الفيلم يوفر المزيد من الفرص للتغيير والنجاة ومشاركتنا هم جمعي، همّ الجولانيين المنزوعين قسرًا عن وطنهم، وهمّ المغتربين المبتعدين قسرًا عن أرض بلادهم.

"ما في شي بيتحرك غير الغيوم" يقول منير، لكن في الحقيقة كل شيء يتحرك ما عدا أسطر روايته، ومقولته هذه هي رمز آخر لاكتئابه وعدم رغبته في المضي قدمًا رغم عدد الفرص التي يمنحه اياها المخرج ويكون أكثرها عنفًا وقسوة طوفان ينجو منه منير. لا يخرج منير من بطن الحوت، بل يخرج الحوت منه بعد الطوفان ليعلن انحسار الماء وعودة الحياة ويقول له: عيش!

كي يعي منير ثمن كل دقيقة في حياته يضعه الله في الكثير من التجارب، فيقف في وجه الريح الباردة، ويقاوم الصمت والهدوء والرتابة بإطالة التمعن، ويقف متأملًا كل شيء وكأنه طفل صغير بدأ انكشافه للتو على العالم، يصارع جسد كارل ليمتحن قدرة بقاء جسده على قيد الحياة، ثم يأتيه بطقس الرقص على أنغام أغنية عربية شامية ترده مجازًا إلى بلاده - كما قالت فيروز، فيسقط أرضًا من فرط الحنين.

برد اللون ودفء الشتاء

ترتقي لغة أمير فخر الدين السينمائية درجة أخرى، فهذه اللغة الشعرية متقنة التفاصيل تجعل المشاهدة متعة نقية. التروي في كل مشهد، والصفاء في الفكرة، وتناغم الموسيقى والحركة، والعمق في الصمت، والتعاظم في المعنى بأقل ما يمكن من حوارات وكلام، والاتقان في الأداء.

ان مقدرة المخرج في تقديم حكاية مركبة عن الإنسان والمجتمع، ونقد الفردانية، واستعادة أهمية وضرورة العلاقات وتكوين المجتمعات يحوّل المادة السينمائية إلى مادة تدغدغ العقل، وتجعله يعيد النظر إلى كل مشهد مرّ، ويبحر فيه دون أن يخشى الغرق.

جميع الحقوق محفوظة © 2026