Coexistence? My Ass !
سماح بصول

(الصورة: بوستر الفيلم)

في العام 2025 قدمت المخرجة الكندية من أصول لبنانية أمبير فارس فيلمها الوثائقي " Coexistence, My Ass " الذي يعكس جانبًا من جوانب الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، وهذا هو فيلمها الثاني بعد "Reckoning with Laughter " الصادر عام 2021. كلا الفيلمين يرصد مسيرة الكوميدية الإسرائيلية نوعام شوسطر الياسي ونشاطها السياسي في ظل محاولات ما يسمى "التعايش". آمبر فارس أخرجت أيضًا فيلم "أخوات السرعة" الذي يواكب مسيرة نساء فلسطينيات يحترفن رياضة سباق السيارات.

لا تزال فكرة المتضامن الإسرائيلي محل نقاش لدى الفلسطينيين، فهناك من يرى أهمية وضرورة لهذا الشراكة في النضال من أجل العدالة وإنهاء الاحتلال، وهناك من يفرض عليها شروطًا ويتحداها بأسئلة حق العودة والدولة الواحدة للشعبين، وهناك من يشكك فيها ويعتبرها طريقة لمصالحة سطحية مع الضمير. وقد أجاد الشهيد باسل الأعرج شرح هذا الأمر في مقاله "عميره هاس ووهم اليسار المتضامن"، وشرح فيه كيف تقوم هاس بتقديم النصائح حول للفلسطينيين حول كيفية إدارة النضال وهو ما يترجم فلسطينيًا بالفوقية.  في الفيلم الكثير من المواقف التي تؤكد ضرورة هذا النقاش وعدم التعامل مع كل المتضامنين على نفس المستوى من الثقة أو عدمها، فهناك من يسيرون على نهج دون أن يحاولوا تعليم الفلسطيني كيفية إدارة قضيته.

قد تكون فارس اختارت بطلتها لتُري العالم صورة حقيقية عن أكذوبة الديمقراطية من قلب البيت الإسرائيلي، وتجعل الشخصيات تعترف بعنصريتها، وتصور صراعاتهم الداخلية وليدة الرغبة في السيطرة والاستعلاء من خلال ناشطة تتحدث العربيّة وعاشت معظم حياتها بين الجيران الفلسطينيين في "واحة السلام". وواحة السلام هذه تحوّلت بمرور الوقت إلى مكان يستقطب الكثيرين لما توفره من موقع جذاب جماليًا وعقاريًا، كما تقول الشخصيات في الفيلم، بينما تمارس فيها بعض العائلات الإسرائيلية حياة جذورها إسرائيلية بحته، ويتجلى لنا هذا من خلال موقف العائلات من التجنيد، وتعاطي القرية المتعاطف مع مقتل جندي من أبنائها. تُسأل نوعام عن هذا النفاق وتُجيب دون التعمّق فيه، ودون أن تتحداها المخرجة،  مكتفيّة بأنها اختارت أن تكون رافضة للخدمة العسكرية لأن مجاورة الفلسطيني وصداقته لا تتفق مع قتل أبناء شعبه على بعد بضع كيلومترات. لا يستهان برفض الخدمة العسكرية الإجباريّة في دولة تحترم العسكرة، ومع ذلك لا تستوي معاناة رافض الخدمة مع معاناة أي فلسطيني من مواطني اسرائيل.

ممارسة اللغة والاستحواذ على الثقافة

تعود أصول نوعام شوسطر إلياسي إلى الإيرانية من جانب الأم والرومانية من جانب الأب. بعيدًا عن الفيلم، اختارت نوعام في ليلة احتفالية سبقت يوم زفافها أن تلبس ثوبًا فلسطينيًا مطرزًا، مما دفع بالكثيرات والكثيرات من الفلسينيين إلى انتقادها. لماذا؟ لأن اختيار ثوب يرتبط ارتباطًا وثيقًا بثقافة وهوية الشعب الفلسطيني قد يكون تعبيرًا عن التضامن اذا استخدم في مناسبة جماهيريّة، أو تعبير عن موقف اذا استخدم في مناسبة سياسية، لكنه ليس كذلك في المناسبة الخاصة والحميمية خاصة وان منزتلبسه ناشطة مناهضة لممارسات الاحتلال الذي لا يتوقف عن السرقة والاستحواذ على عدد كبير من مركبات الثقافة والهوية الفلسطينية كالاكل والعادات.

من يعيش حياته بين الإسرائيليين يعي جيدًا ما يعنيه أن تكون من أصول إيرانية أو رومانية، إنها مادة دسمة للكوميديا، وهو ما تقوم به شوسطر الياسي أحيانًا. ففي لقائها مع الكوميدي الفلسطيني الأمريكي عامر زهر يقول لها "اطرحي حقيقتك بطريقة كوميدية"، فتأخذ بنصيحته أحيانًا وتتحدث عن علاقتها بجدتها الإيرانية وهموم العزوبية والزواج، كما تشبه نفسها ساخرة بأحمدي نجاد، وتحاول بناء سكيتش ساخر بطله قاسم سليماني، فالإسرائيلي تدغدغه كلمة إيران ويحب أن يرى نفسه دائمًا أفضل من الإيراني، كما ان المجتمعات الغربيّة المحمّلة بالكثير من الآراء المسبقّة، تتلذذ بالسخريّة من الثقافات الشرقيّة.

يحتوي الفيلم على عدد من مقاطع العرض الكوميدية التي تقدمها نوعام في نوادي الكوميديا في تل أبيب، معظم محتواها لا يخاطب المشاهد الفلسطيني أو العربي لأن سياق النقد وأسلوب تقديم النكتة إسرائيلي، وبالتالي لا يفهمه الا هذا الجمهور. ولعل أكثر ما يلفت النظر في العروض هو لغة جسد نوعام حين تتجرأ على التفوه بجملة من العيار الثقيل عن نتنياهو وأجهزة البيبر، فتكمش كتفيها إلى الأعلى وتضع اصبعها على فمها وتنظر للجمهور كمن تمارس على نفسها الرقابة، وهذه ليست من سمات مقدمي الكوميديا الساخرة خاصة في الحيّز الإسرائيلي المليء بالكوميديا السوداء ولعل أكثرها جرأة في نقد المجتمع والسياسة الإسرائيلية برنامج "أرض رائعة" التي تقدم في الكثير من الأحيان مقاطع لاذعة، تتعمق وتنتقد:" في السويد كلهم سويديون، لا يوجد سويدي يمني ولا سويدي روسي. يلزمنا حرب أهلية، كل دولة تحترم نفسها خاضت حرب أهلية، الجميع ضد بعضهم البعض علمانيون ومتدينون، يسار ويمين، ما عدا العرب، العرب اجلسوا جانبًا لقد حاربناكم كثيرًا ولم يأت ذلك بأي فائدة".[1]

ولكي نستشعر مدى قوة أو ضعف القدرة على النقاش السياسي، نشهد نقاشًا بين نوعام ومنتج ومقدم أحد البرامج التلفزيونية الشهيرة (جاي زوهر) الذي يستضيفها لتقدم "جانبًا آخر" من القصة الكبيرة، تشارك نوعام في البرنامج في مرة من ضمن مرات كثيرة، وتعرض قضية عائلة الكرد المقدسيّة. وراء الكواليس يدور نقاش بين زوهار وشوسطر الياسي يقول فيه زوهار أن المحكمة أثبتت عدم ملكية عائلة الكرد للبيت، وقال إن هناك عائلات فلسطينية مقدسية تسكن في بيوت ليست لها منذ مئات السنين، فتنكمش شوسطر الياسي مرة أخرى وتنسحب دون رد، علمًا أن الرد كان يمكن أن يكون بسيطًا لامرأة مسيّسة تنشط ضد الاحتلال: "دولة كاملة تسكن بيوت ليست لها منذ 80 عامًا!". هذا الصمت والانسحاب أمران يصعب عليّ كمشاهد فلسطيني ألا أتوقف عنده، لأنه بنظري اختبار  لأمرين:  إما اختبار لقناعة وقدرة سوشطر الياسي في السياق السياسي،  واما اختبار لقوة الشهرة والسكوت خشية خسارة الظهور في برنامج تلفزيوني يحظى بنسب مشاهدة عالية!


التعايش يا حبيبتي!

 
 يزور الفيلم "واحة السلام" كثيرًا، وفي مناسبات مختلفة، ويلتقي بعض سكانها الفلسطينيين، ويصوّر الصدام بين أهالي القرية والمحيط الأوسع، حيث الواقع مختلف وأقل ريفيّة وشاعريّة وهدوءًا. هنا حيث يُراد "للدوكيوم" أن يكون ممارسة فعليّة تظهر التناقضات ولو بأبسط أشكالها، ففي أحد الاحتفالات بعيد ميلاد أم نوعام تغني صديقتها الإسرائيلية "سنة حلوة يا حبيبتي"، وكلمة "حبيبتي" هذه مستفزة الى ابعد حد، وتحمل الكثير من السماجة حين تُقال لأنها تعكس زيف الاستخدام وزيف المعنى، لكنها تبدو لغير العرب مثيرة وسهلة ويمكن أن تكون كاسرة حواجز في العلاقات- في الحقيقة نحن لا نعتبرها كذلك أبدًا!

خلال سنوات حياتها في الواحة نجحت نوعام في التقدم في سلم النشاط السياسي حتى وصلت الأمم المتحدّة، لكن الفيلم يتوقف عند ظهورها في احدى الحواريات دون ان نعلم نتائج او فوائد هذا الظهور.

في العام 2020 تضطر نوعام إلى العودة للبلاد قادمة من الولايات المتحدة بعد حصولها على إقامة فنية في جامعة هارفرد. تعود مصابة بالكورونا وتضطر لمشاركة العشرات من المرضى الحياة في أحد فنادق القدس. يجتمع هناك مرضى من كل الأعراق والخلفيات والقوميات أيضًا، فلسطينيون واسرائيليون يتشاركون عبئًا واحدًا يهدد حياتهم، جميعهم يتشاركون غرفة الطعام وصالة الرياضة وساحة الترفيه. تتحدث شوسطر الياسي عن الموضوع، ويبدو الأمر لطيفًا، لكنه متجاهل تمامًا للواقع خارج الفندق حيث كانت قرارات الحكومة ووزارة الصحة مفرطة في التمييز والإهمال ضد  الفلسطينيين. اذا، هل "واحات السلام" باختلاف مواقعها وسكانها هي مزيد من الزيف  والادعاء؟

تندلع الأحداث في الشيخ جراح ومن ثم احتجاجات الانقلاب القضائي، ثم احداث أكتوبر 2023 لتجعل فكرة العيش جنبًا الى جنب كابوسًا. في كل اختبار كهذا تظهر النوايا الحقيقية لدى المعظم، كثير من اليساريين تراجعوا عن مواقفهم الليبرالية، وباتت مجموعة المتضامنين الحقيقيين المؤمنين بحق الشعب الفلسطيني على أرضه وحريته قلّة قليلة تطل علينا منادية بانهاء الاحتلال والابرتهايد، وهو أمر من المهم رؤيته وفهمه فلسطينيا، عربيا وعالميا.

دبي، ع مهلك علينا شوي

تزوّد اتفاقيات إبراهيم والتطبيع نوعام بفرصة للرواج عبر شبكات التواصل، فبعد فيديو تشتم فيه دول الخليج الساعية للتطبيع وتقول لهم "ما اوسخكم"، مجسدة انتقاد باسل الأعرج لعميره هاس الذي ذكرناه سابقا، تقدّم أغنية تجعل من اسمها حديث الجمهور والإعلام. على لحن أغنية المغني الاردني عزيز مرقة "يا باي" تغني شوسطر الياسي "دبي دبي" وفيها تقول:

في آخر النفق فيه ضي
لو كل العرب زي
دبي دبي دبي
بحبو شعب اسرائيل حيّ
ما راح يرمونا بالميّ

 احتفى كثير من الفلسطينيين والعرب بالأغنية، وظهرت شوسطر الياسي على عدد كبير من القنوات التلفزيونية وعبّرت عن استيائها من التطبيع لما فيه من تنازل عن قضية الشعب الفلسطيني، واعتبرها البعض لسان حالهم لانهم لا يستطيعون السخرية ونقد ملوك وأمراء السعودية والإمارات والبحرين، لم تنس الجماهير العربية مصير الصحفي جمال خاشقكجي!

 وعلى الرغم من ظرافة الفكرة وصراحة الكلمة إلا أن سؤالًا جديرًا بأن يُسأل: هل ستفرض دول الخليج عقوبات على نوعام شوسطر إلياسي، هل ستهدد حياتها كما تفرض ارهابًا ضد منتقديها من العرب والمسلمين؟!

 



[1] مقطع "يلزمنا حرب أهلية" الذي تم بثه في آذار 2021: https://www.youtube.com/watch?v=5eQBsWQfUxc

جميع الحقوق محفوظة © 2026