Fauve.. عندما تتحول براءة الولدنة إلى كابوس
نرمين صبيح

(الصورة من imdb)

يأخذنا فيلم fauve (2018) للمخرج جيرمي كومتا، في رحلة قصيرة إلى عالم مليء بالمشاعر والأفكار المخبأة والمكنونة داخل النفس البشرية، إذ أنه جذب الانظار بقدرته الفائقة على بناء توتر نفسي لا يُحتمل من خلال أدوات بصرية وصوتية عميقة. تدور الأحداث حول يوم من حياة الولدين تايلر وبنجامين اللذان يقضيان معًا أوقاتًا في اللعب واللهو ويبدو بأن صداقتهم هي ما يواسيهم في الواقع الذي يعيشونه، يقضيان بعضًا من ذلك النهار في منجم ليتحول لعبهم البريء إلى مسرح لصدمة عنيفة تقلب مفهوم اللعب رأسًا على عقب.

منذ اللقطة الاولى يفهم المشاهد أن قصة هذين الولدين ليست عادية وأن هناك شيء غير طبيعي على وشك الحدوث. زاوية الكاميرا المائلة توحي للمشاهد بالقلق والتوتر، ثم يبدأ الفيلم بفرض رؤيته البصرية المتفردة، حيث المساحات الخضراء والغابة الكثيفة وقطار مهجور تنطلق منه فعالية اللعب بين الولدين، رغم أن المكان مهجور وموحش بعض الشيء، لكنهما وجدا فيه أمانًا للعب واللهو والاستمتاع بوقتهم من خلال تصرفاتهم الصبيانية الفطرية.

ينتقل الولدان خارج القطار للهو وبدون أي تخطيط ، هكذا ينتقلان من مكان إلى آخر ببراءة وسذاجة.
كانت الاصوات البارزة في الفيلم في البداية  اصوات الطبيعة الهادئة مثل حفيف الأوراق وصفير الرياح، وتخلق هذه الأصوات جوا من البراءة والسكينة لكنها تحمل في طياتها نذير شؤم خفي، يمكن أن نلاحظ في الفيلم أن الولدين يمكن أن يكونا في نفس العمر تقريبًا ولكن هناك اختلاف واضح في شخصياتهم وحتى خلفياتهم، رغم أنه لا يوجد أي تفاصيل عن حياة وعائلة هؤلاء الأولاد ولكن يمكن أن نرى أن  تايلر مختلف عن صديقه بنجامين من ناحية الشخصية والتصرفات.، فتايلر - وفق شكله الخارجي- يبدو كمن  عاش  ظروفًا قاسية رغم عمره الصغير، يمكن أن نقول أن أغامر بالافتراض أنه  عاش في ملجأ بلا أهل ولا اسرة، رأسه الحليق والنصف الاعلى العاري من جسمه توحي أيضًا أنه مشاغب يبحث دائمًا عن المشاكل، كما تشي بعض المشاهد بوجود شكل طفيف من السيطرة وعلاقات القوة غير المتكافئة بين الولدين.

يبدأ الصراع في الفيلم عندما يدخل الولدان إلى منطقة ممنوع الدخول اليها بداعي اللهو والفضول، سذاجتهما وبراءتهم سمحت للطبيعة أن تتدخل بينهما، كان المشهد حولهم مخيفًا، إلى الألوان قائمة والأرض قاحلة والبيئة مخيفة والعالم كبير حولهما يمتد بلا حدود ويخلق تباينًا صارخًا بين حياة الخضرة وموت الرماد، هذا الانتقال اللوني يعكس بدقة الانتقال النفسي من البراءة والمشاكسة إلى مواجهة عالم الكبار القاسي والخطر، الرمادي هنا ليس لونًا فقط، بل شعورًا بالفراغ والعزلة والضياع.

يستكشف الولدان المكان ويستمران في اللعب، ولكن بما أنهما دخلا إلى منطقة ممنوعة كان الخوف سائدًا حتى أتت شاحنة تعمل في المنطقة، هنا دب الرعب في قلوب الولدين فهربا دون أن ينظرا خلفهما رغم أنه يمكن لسائق الشاحنة لم يراهما بسهولة.

استمرا بالهرب في المكان الواسع والكبير، بدون أي تخطيط ودون أي وعي لوجود خطر حقيقي غير ما طنا أنه يلاحقهما. مع استمرارهما في الهرب وصلا إلى بقعة منخفضة، أرض قاحلة رمادية مخيفة وواسعة، وفيما ظنا أنهما نجيا من سائق الشاحنة، وقعا في الفخ الحقيقي.
يقع تايلر في حفرة طين متحرك، ويحس أنه في خطر ويحاول الاستنجاد بصديقه بنجامين، ولكن الأخير قابله بالمزاح والاستهزاء، موقف بنجامين ومحاولة تايلر الخروج بنفسه من الحفرة جعله يفكر أن ما حصل ليس طبيعيًا، واختبار للصداقة الحقيقية، لأن الصديق الحقيقي يظهر في الظروف الصعبة، ونستنتج لاحقًا أن بنجامين هو صاحب الاستفادة الأكبر من هذه العلاقة.

ويخرج تايلر من الحفرة بصعوبة لوحده بدون مساعدة بنجامين فيما تعلق فردة واحدة من حذائه في الطين المتحرك، هنا تحولت مشاعر وأفكار تايلر، رغم خوضهما العديد من المغامرات مع بعضهما، ولكن طلبه للمساعدة دون مجيب اصبحت النقطة الفاصلة في علاقتهما، حاول رد "الصاع صاعين" لبنجامين  ولكن النتائج لم تكن متوقعة، غرق صديقه بسرعة في الطين المتحرك وأدرك أن الخطر حقيقي وأن اللعبة  انتهت، المفارقة هنا أن بنجامين وقع بسرعة وبدون أي ادراك للموقف بدأ بالغرق الفعلي وهنا بدأ تايلر التحرك لإنقاذه، وتحول موقفه سريعًا من الانتقام الطفولي إلى الندم، وبدأ يحاول بكل قوته مساعدة صديقه للخروج من الطين.

يبدأ المخرج بتصوير الولد من زوايا بعيدة حين حاول الخروج من منطقة الخطر بألوانها المرعبة محاولا العثور على طريقة لمساعدة صديقه واخراجه من الطين، في ذروة الدراما، عندما أدرك تايلر أنه خسر صديقه تبرز زوايا التصوير صغر حجم الولد أمام ضخامة الكارثة والطبيعة، لتعكس شعورًا بالعجز والندم والفراغ الكبير، أنها لقطة تقول: رغم أن العالم كبير جدًا وبه ملايين الناس، الا أن هذا الولد وحيد تمامًا في محنته.

 في اللقطة الأخيرة  للفيلم يظهر ثعلب بلون برتقالي وينظر إليه  تايلر بعيون بائسة ودامعة  ونظرات حزينة، يمكن أنه يرى صديقه في هذا الثعلب حيث أنه كان يرتدي قميصا برتقاليًا يوم غرقه في الطين، الثعلب الذي يرمز في أذهاننا إلى المكر والخداع، وتصرفات تايلر رغم أنها كانت بدافع اللهو واللعب؛ حملت في طياتها أنانية ولا مبالاة وبعض الخداع تجاه رفيقه، إذ كان يمازحه بخشونة ويتحداه بطريقة لا تخلو من الغرور، هذا المكر الطفولي الذي قد  نعتبره بريئًا، يتجسد في مخلوق الغابة ليذكرنا أن الغرائز البدائية كامنة فينا جميعًا حتى في لحظات المرح، ظهور الثعلب في اللحظة الأخيرة يفتح بابًا للتأويل: هل هو روح الطفل الراحل؟ أم أنه تجسيد لصديقه الذي نجا؟

الصوت - سيمفونية التوتر والصمت

بدأ الفيلم بأصوات الطبيعة الهادئة، ومع انتقال الولدين إلى منطقة المنجم تبدأ الأصوات الطبيعية في الاختفاء، ويحل محلها الصمت القاتل، الحوار في الفيلم قليل ولكن أصوات الأجساد تعبر عن كل شيء، الأنفاس السريعة المتقطعة، صرخات  الغارق المتكررة، صمت  الناجي المطبق، كلها أصوات بشرية تحمل دلالات نفسية عميقة، صرخات الغارق تتحول إلى صدى في المنجم الفارغ وكأن المكان نفسه يسخر من محاولاته البائسة للنجاة، الموسيقى في الفيلم نادرة ولكن مؤثرة بشدة، تظهر في لحظات محددة، ليس لتفسير الحدث بل لتعميق الاحساس بالصراع الداخلي، هناك مقطوعة موسيقية حادة تظهر عندما يدرك تايلر حجم الكارثة، وهذه الموسيقى تتكرر في آذاننا وكأنها نبض قلب متسارع، بعد اختفاء بنجامين  ينقطع كل صوت فجأة، لا موسيقى لا خطوات لا أنفاس، هذا الصمت المطبق ليس فراغًا، بل هو امتلاء بالرعب والندم والحيرة، الصمت هنا يعادل ألف صرخة، أنه يجعل المشاهد يعيش حالة من الترقب والضغط النفسي كأن العالم توقف برمته ليشهد على هذه المأساة.

 

الوحش الداخلي

معنى كلمة fauve هو الوحش أو الحيوان البري، العنوان لا يشير إلى وحش خارجي مرعب، بل إلى الوحش الكامن داخل الشخصيات ذاتها.  في البداية يتصرف الأولاد بمرح وبراءة، ولكن مع تطور المنافسة بينهما، يتحول السلوك إلى شيء أكثر عمقا وصراعا، والغريزة الحيوانية تظهر في لحظة الخطر، غريزة البقاء قد تدفع الطفل إلى التردد أو الفرار بدلا من المساعدة، حتى البيئة المحيط بهما قاسية وحشية، الفيلم يطرح سؤالا أخلاقيًا: هل نحن كبشر كائنات متحضرة من الأساس أم أن وحشيتنا الداخلية تنتظر الظروف المناسبة لتنفجر؟

هل كان بإمكان الطفل الناجي أن يفعل أكثر مما فعل؟ هل تردده كلف صديقه حياته؟ الفيلم لا يجيب، بل يتركنا نتساءل، هذا السؤال الأخلاقي يطارد المشاهد بعد انتهاء الفيلم.

 أثر عميق يتركه الفيلم في النفس ، أكثر ما يثير فيه هو التحول الصادم من المرح إلى المأساة، ومحاولة الولد مساعدة صديقه رغم انعدام الامكانيات، وعدم إدراكه لخطورة ما يحدث، الفيلم يوجه درسًا في العزلة القسرية، الطفل الناجي وجد نفسه وحيدًا تمامًا في قمة أزمته يصرخ ولا أحد يسمعه، هذا الشعور بالعزلة رغم ضخامة المكان يلامس واقعنا المعاصر، كثيرون منا يعيشون وحدتهم وسط الزحام، الفيلم لا يقدم وحشًا مرعبًا، بل يقدم مرآة لهشاشتنا أمام عالم لا يبالي، إنه فيلم قاسٍ لكنه عميق، يعبر عن النفس البشرية بصدق، ويذكرنا بأن أفعالنا الطائشة قد تنعكس انعكاسًا خطيرًا يقلب حياتنا رأسا على عقب.

  • نرمين صبيح من بلدة الخضر؛ طالبة في مساق التذوق السينمائي/ جامعة بيت لحم

  

 

 

جميع الحقوق محفوظة © 2026