(الصورة: موقع قناة رؤيا)
عند انطلاق السلسلة الكوميدية "وطن ع وتر" في العام 2009، استبشر الجمهور الفلسطيني بفتح أفق جديد للعمل التلفزيوني المحلي؛ فقد بدا العمل جريئاً، ساخراً، ويحاكي وجع الشارع. لكن، ومع مرور المواسم، بدا أن السخف والسطحية قد تسللا إلى عصب السلسلة، لتتحول من نقد الواقع الاجتماعي والسياسي، إلى وجبات من اللت والعجن، ومن الكوميديا الساخرة إلى ضجيج وجعجعة بلا مضمون.
من الثلاثية الذهبية إلى "طحن الحكي"
في بداياته، قام العمل على أكتاف ثلاثي متناغم (عماد فراجين، منال عوض، وخالد المصو) يرافقهم محمد الطيطي؛ حيث شكلوا حالة تكاملية بين موهبة منال الواضحة، وبرود خالد المستفز، وفوضوية عماد التي كانت آنذاك مضحكة. كان محاكاة نوعًا للسلسلة اللبنانية "ما في متلو" وثلاثيتها عباس شاهين وعادل كرم ورولا شامية، يرافقهم نعيم حلاوي.
غاب هذا التناغم بمرور الوقت، وحل مكانه الارتجال العشوائي وافتقاد الموهبة، خاصة هذا العام مع استبدال الممثلات بنجمات "التيك توك" وفعاليات الأطفال اللواتي يفتقدن لأدوات الأداء الدرامي.
ثلاثة سكتشات من الإفلاس
تتجلى "سماجة" العمل في موسم رمضان الحالي من خلال أنماط تكررت حتى باتت عبئاً على المشاهد، اذكر منها ثلاث:
خلاف المصف
في هذا السكيتش، يتحول خلاف الجيران على مصف السيارة من قضية اجتماعية تعكس أزمة أخلاقية، إلى وصلة من الابتذال والاستهبال والمطمطة الزمنية. غاب "الإفيه" الذكي وحلت مكانه سطحية تجلت في ادعاء أحد الجارين الموت! لم نضحك على الموقف، بل انزعجنا من النص الخاوي. لقد ذكرني المشهد بمغامرات توم وجيري، لكن يبدو ان القط والفأر أكثر ذكاءً ودهاءً.
الزوجة الخاملة
من عالم الخلافات الزوجية، وما أكثرها في هذا الموسم، قدم لنا العمل سكيتش "الزوجة الممدة طول النهار"، سقط العمل في فخ التكرار الرتيب الممل، والمبالغة الكسولة. لم تتوقف شخصية الزوجة عن "الردح" والمعاتبة، وتكرار الجملة والحركة ذاتها.
بدلاً من نقد التعاطي المجتمعي مع الزوجة التي لا تعمل خارج المنزل ووصمها بالكسل، برزت محاولات استدرار الضحك من خلال تكرس صورة رجعية تهين المرأة الفلسطينية وتصورها كعبء نفسي، "نقاقة" اينما حلّت، بعيداً عن أي عمق درامي او إنساني.
شفاه السيليكون.. التنمر كنكتة
أما مشهد "تكبير الشفاه"، فقد كان منفرًا في شكله ومضمونه. صحيح أننا لم نرَ شفاه الزوجة بعد العملية، لكن كلمة "شلاطيف" كانت كافية.
في كل مشهد يصف فيه الزوج شفاه زوجته بعد العملية ينعكس استجداء الضحك من الاشمئزاز. لقد سُطّحت قضية هوس التجميل وحُصرت في وصف الزوج للشفاه، وباتت الزوجة وخيارها عوامل سلبية ضمنًا.
الطبقية الفجة والذوق الرديء
لم يتوقف سوء العمل عند ضعف النص، بل امتد لتبني قصص الطبقية بشكلها الفج؛ حيث السخرية من الفوارق الاجتماعية والانبهار المفرط بالثراء. ان الطبقية التي يعرفها العالم العربي ليست مادة سهلة للكوميديا، وهاي هي تقدم هنا بطريقة تحط من قدر أبناء الطبقة المتوسطة والفقيرة.
يضاف إلى كل هذا محاولات تصوير "الذوق السيء" في الملابس باعتماد كثرة الألوان في ملابس الشخصية كدليل على وضاعة الشأن، او الجهل، أو الفقر، وهو سقطة أخلاقية وفنية، تكرس تفوق الأثرياء وذوقهم الرفيع وملابسهم الكتالوجية بأسلوب لا يشبه الواقع الفلسطيني المعقد والأليم.
الكوميديا الحقيقية هي التي تنتصر بالكلمة، أما "وطن ع وتر 2026" فقد بات يعتمد على البهلوانية.
لقد ضيع "وطن ع وتر" الكثير من الفرص للارتقاء بمستوى العمل الكوميدي الى الذكي اللاذع. وبدلاً من أن يكون مرآة للناس، صار مشوهًا لهم.