(الصورة من المسلسل)
لطالما كانت الدراما السورية مرآة للمجتمع وتناولت قضايا مركبّة وقدّمت شخصيات غاية في التنوع والتميّز، لكن في تناولها لشخصية "البدوية" سقطت مراراً في فخ النمطية والأفكار المسبقة الجاهزة، إذ لم تُقدَم البدوية ككيان إنساني لديه خلفية قيمية أو عمق اجتماعي، بل كأداة لخدمة "الإثارة" أو "الخطيئة" أو "التنبؤ" وربما ما هو أكثر سلبية.
من خلال استعراض شخصيات مثل سماهر من مسلسل "خمس أرواح"، وفضة من مسلسل "خان الحرير"، وفطنة من مسلسل "باب الحارة"، نجد أننا أمام موديل متكرر أبعد ما يكون عن واقع البادية السورية وحياة قبائلها.
الكود البصري: الأحمر، والمنمّر، والدناديش
تشترك شخصيات سماهر وفضة وفطنة في أجزاء من المظهر التي تتجاوز الصدفة لتصبح علامة تجارية للإغواء، فنرى تكرار اللون الأحمر والأقمشة اللامعة وجلد النمر، ليس كزيّ تراثي، بل كإشارة بصرية تضع المرأة في إطار "المغنية" أو "الراقصة" في الكباريهات أو خيام اللهو على الطرقات. يضاف إليها كثرة الإكسسوارات وحجمها البارز وصوتها الرنان. كذلك، تم توظيف الوشم (الدّق) والصدف (الودع) ليس كرمز للهوية الثقافية، بل كتفصيل يضفي صبغة "الغرابة" أو "السحر والشعوذة" مما يعزز الفجوة بين هذه النساء وبين نساء المدينة العاديات المحتشمات العاقلات!
لا نجد للبدوية دوراً إنتاجيًا أو قياديًا؛ وظيفتها تنحصر في الترفيه عن الرجال كما في حالة "فضة" التي تعيش في خيمة على طريق سريع تتحوّل إلى استراحة لسائقي الشاحنات، أو سماهر التي تعمل كمغنية في الملاهي الليلية ينحصر دورها في الإلهاء والاغراء أكثر منه إلى فن الغناء وجمال الصوت. هنا يتم تسليع الشخصية لتكون مصدرًا للمتعة العابرة.
في حالة سماهر نرى خروجًا عن الأخلاق المتعارف عليها، فابن سماهر جاء نتيجة علاقة دون زواج، وتم تسليط الضوء كثيرًا على العلاقة مع رجل متزوج في حالة "فضة"، وكأن البداوة مرادف للفوضى الأخلاقية، بعيداً عن قيم "العرض" وحياة القبيلة الصارمة في الواقع.
لقد تم تصوير البدوية في حالة "فضة" كخطر اجتماعي، وككائن يهدد استقرار المدينة في حالة "فطنة" في "باب الحارة" حين خطفت ابنة عصام الطفلة، ثم صورت وهي تلهو مع الرجال في أجواء الغناء والرقص في الخيمة، مما يرسخ صورتها كغريبة وسارقة في الوعي الجمعي.
الحب المستحيل والنقد الذاتي
تتكرر تيمة البدوية التي تحب رجلًا يصعب الزواج منه في هذه القصص، تُرفض البدوية دائمًا من قبل الأم أو المجتمع، فوالدة شمس تعارض علاقته بسماهر، وأهل محسن يعارضون علاقته بفضة؛ ليس السبب شخصها، بل لكونها "وصمة" لا تناسب برستيج المدينة او بسبب سمعتها داخل الحيّ الفقير. هذا الطرح يكرس الطبقية على مختلف مستوايتها ويحرم الشخصية البدويّة من أي كيان يحظى بالاحترام.
لعل أحد سكتشات "بقعة ضوء" في الجزء السابع الذي تناول موضوع تصوير مسلسل في البادية، عكس نوعًا من النقد تجاه شخصية أهل البادية المطروحة في الاعمال الدرامية، ففيما يصور مسلسل فيه ممثلين يقمصون أدوار شخصيات بدوية، يظهر البدوي "الحقيقي" ويقوم باحتجاز المخرج، لتأتي ممثلة ذكية تدعي أنها بصارة وتسلب عقل الرجلين لتحرر المخرج من المأزق. إن شخصية البصّارة التي قدمتها أمل عرفة في سكتش "صراع إنتاجي" لم تكن تجسيدًا للبدوية بقدر ما كانت محاكاة ساخرة (باروديا) لكيفية صناعة المؤلفين والمخرجين لهذه الشخصية. الوشم على الوجه، الملابس متعددة الطبقات، الاكسسوارات والغناء، كلها أدوات أظهرت أن "البدوية الدرامية" هي نمط متكرر.
الدراما السورية، في هذه النماذج الأربعة، لم تقدم بدوية حقيقية، بل قدمت خلطة مشوهة تجمع بين حياة الغجر والرُحّل وبين موديل سارية السواس، وألصقتها بالهوية البدوية، فمسحت عنها صفة الكرم والصبر وحولتها لكائن يعيش على الهامش بلا جذور. إن استعادة صورة المرأة البدوية الحق في الدراما تتطلب تجاوز الفستان "المنمّر" وأحمر الشفاه الصارخ وبعض عبارات الغرام... يا بعد روحي!