(الصورة من الفيلم)
في فيلمه "عائشة لا تستطيع الطيران"، ينسج المخرج المصريّ مراد مصطفى مرثية بصرية قاسية عن العجز واللجوء، حيث لا تقتصر مأساة بطلته "عائشة" على كونها لاجئة سودانية في مصر فحسب، بل في كونها امرأة تعيش في منطقة ظل جغرافية وإنسانية، حيث يتواطأ الضوء والعتمة ضدها في آن واحد.
تبدأ رحلتنا في التعرف على عالم عائشة بشعور غامر بالتلصص؛ كاميرا تلاحق عائشة وتراقبها كأنها ظل ثقيل، بينما تلوذ هي بتعبيرات وجه صلبة لا تشي بشيء، ليس لعدم شعورها، بل لأن الصمت صار عندها لغة دفاعية ودرعًا. هذا الصمت هو في الحقيقة صراخ مكتوم، يجسد مأساة من لا يملك رفاهية الشكوى ولا يجد أذنًا صاغية في عالم لا يعترف بوجع الغرباء. وتتعمق هذه الغربة من خلال مفارقة بصرية ذكية؛ فالضوء الذي يتسلل من خارج غرفتها ليس "النور في آخر النفق" كما تقتضي الأمثال، بل هو كاشف لعالم سفلي وحشي تسكنه العصابات والمخدرات والاستغلال، بينما يكمن الضوء الحقيقي الحبيس داخل عائشة نفسها، وهي تشهد على انكسار الكرامة الإنسانية ليس في محيطها القريب فحسب، بل في الحروب المشتعلة في السودان، وما تخلفه من استضعاف واغتراب.
تعيش عائشة محاصرة في ثالوث من القهر؛ فهي مهضومة الحق كلاجئة أفريقية، ومصلوبة في عملها كعاملة تخدم من يهينونها، وكمرأة يطالبها المجتمع بالتنازل عن كرامتها أمام وحشية التحرش. يبرز هذا الحصار في علاقتها مع صاحب البيت الذي تعمل فيه - الرجل المسن المريض بالسكر، الذي يستغل ضعفها وحاجتها، وحين ترفض الخضوع لتحرشاته تجد نفسها في واقع يرى فيه صاحب العمل أن التحرش أمر عادي "أنا بسمع الشكوى دي كل يوم، فيها إيه لو إديته اللي هو عايزُه، حتروح منك حتة؟". هذا الواقع لا يكتفي بالاستغلال المعنوي، بل يتحول إلى نهش مادي يظهر في استعارة "الديدان والتقرحات" التي تأكل جلدها، وكأن الرجال من حولها ديدان بشرية تحاول التهام لحمها فعليًا ومجازيًا.
وسط هذا السواد، تبرز النعامة ككائن فانتازي يمثل مهربًا في خيال عائشة؛ تارة ترافق حلمها بالهدوء في حي صاخب، وتارة تجسد رغبتها الدفينة في الانتقام من الرجل المتحرش، حيث تتمنى في خيالها أن تأكل لحمه كما يفعل هو. ومع ذلك، يظل هذا الحلم هشًا، إذ ينتهي بذبح النعامة على يد "عبدون" العامل في مطعم، الشخص الذي يبدو أنها أحبته ثم هجرها، ليقتل بذبحها آخر فسحة للفرح لدى عائشة ويتركها لمصيرها المعتم. وحتى حين تحاول عائشة ارتداء قناع "باتمان" أثناء لعبها مع "عمر" حفيد الرجل المسن، تدرك بمرارة أنها لا تملك قوة الطيران ولا تستطيع إنقاذ أحد، ولا حتى نفسها.
في فسحة فرح صغيرة نرى اجتماع للاجئات، يبدو مجتمعهن كأنه وطن بديل مأزوم، حيث يختلط الرقص والغناء بالمرارة.
حين ينبت الريش على جسد عائشة في ختام الفيلم كوشوشة منها لنفسها حول حلمها الطيران والهروب من الواقع، نجدها عاملة في "دار المحبة". لكن هذا الختام يترك المشاهد أمام تساؤل قلق: هل الواقع الخارجي الوحشي يعدها فعلاً بالمحبة؟ أم أن هذا الريش هو مجرد غطاء أخير لجروح على جسد نساء ضحايا مكبلات بواقع لا يسمح لهن بالتحليق؟