(الصورة من مسلسل عين سحرية"
تعيش الدراما المصرية أزهى أيامها من حيث غزارة الإنتاج وضخامة الاستثمارات، مدعومةً بالنهضة الكبيرة للمنصات الرقمية التي غزت العالم العربي مثل شاهد، Watch It، وYango Play، ولكن هذا الزخم الإنتاجي لا ينعكس بالضرورة على جودة المحتوى.
تواجه الأعمال المصرية صعوبات ملحوظة في السنوات الأخيرة. السبب الأول والأهم، بشهادة الكثير من العاملين في المجال، هو أزمة الكتابة. ففي الوقت الذي نشهد فيه تطورًا تقنيًا رهيبًا في وسائل التصوير والمونتاج، وتطورًا ملحوظًا في القدرات التمثيلية الفريدة، وإبداع في الإخراج، تعاني الكتابة والأفكار من شحٍ وضعفٍ لم يشهده الفن المصري منذ سنوات طويلة.
إذا تتبعنا عدد الأعمال الدرامية الجيدة في كل موسم رمضاني، سنلاحظ أن الدالة لا تتصاعد، بل تميل للانخفاض منذ عام 2020، وهو أول رمضان شهدناه في ظل جائحة كورونا. ورغم وجود استثناءات ومواسم فريدة كموسم 2025، الذي برز فيه عدد من المسلسلات الممتازة مثل الجزء الثاني من "أشغال شقة"، والمسلسل الجريء "لام شمسية"، و "ولاد الشمس"، و"ظلم المصطبة" و"إخواتي" وغيرهم، إلا أن الاعمال عمومًا لا تزال تعاني.
بعض "بقع الضوء" في هذه السنوات تعود إلى ظاهرة تبغضها الجهات الإنتاجية، وهي المسلسلات القصيرة التي لا تمتد الى 30 حلقة كعدد ليالي رمضان، واقتصار الكثير منها على 15 حلقة. هذه التوليفة بدأت تفرض نفسها بقوة، وتتزايد عامًا بعد عام حتى وصلت في الموسم الحالي إلى 29 مسلسلاً قصيرًا. غالبًا ما تنجو هذه الأعمال من فخ "المط والتطويل"، وهو ما يجعل النقّاد يفضّلونها ويشجّعون الصناعة على تبنّيها، فضلاً عن كونها أسهل في التنفيذ وتلائم التغييرات التي طرأت على المشاهدين الذين اعتادوا يوميًا على استهلاك الفيديوهات القصيرة فلم يعودوا يملكون الصبر لمتابعة مسلسلات طويلة. في المقابل، لا تتحمس الجهات الإنتاجية لهذه المسلسلات بسبب الفجوة في العائدات الماليّة بين 30 و15 حلقة.
رغم زخم الأعمال القصيرة، جاء النصف الأول من الموسم الحالي مخيباً للآمال، بل أعتبره شخصيًا أضعف موسم تشهده الدراما المصرية في السنوات العشر الأخير. وسط هذا التراجع، لفت انتباهي عملان فقط. الأول هو مسلسل "عين سحرية" وهو دراما تشويقية من تأليف هشام هلال وإخراج المبدع السوري السدير مسعود، وبطولة عصام عمر وباسم سمرة ومجموعة من النجوم. تميّز العمل بجودة الصورة، وقدرات التمثيل الاحترافية، ومن المؤكد أنه سيُذكر كأحد أفضل مسلسلات العام. لكنه في المقابل لم يخلُ من نقاط ضعف واضحة، أبرزها الاعتماد على "صُدف" درامية غريبة (وهي العادة التي تفضح ضعف الكتابة)، بالإضافة إلى "تلفلف" الحلقة الأخيرة وحشوها بمونولوجات طال بعضها حتى أصبح ركيكًا ومملاً.
اما المسلسل الثاني فهو "هيّ كيميا؟" يمثل هذا العمل أول بطولة مطلقة لنجم الكوميديا الأول حاليًا في مصر، مصطفى غريب، بمشاركة دياب وميشيل ميلاد. القصة مستوحاة من الفيلم الأيقوني "الكيف"، حيث يتورط دكتور في العلوم في صناعة المخدّرات.
بلا شك، هو أفضل عمل كوميدي في النصف الأول من رمضان؛ فقد نجح في انتزاع الضحكات، واكتسحت "إفيهاته" منصات التواصل. التناغم أو "الكيميا" بين فريق العمل كانت واضحة أمام الكاميرا، ونجح دياب في الخروج من عباءة أدوار الشر ليظهر موهبة كوميدية فذة، بينما أضاف ميشيل ميلاد الكثير للعبثية الكوميدية المسيطرة على الأجواء.
رغم ذلك، لا يمكن أن يُخلد المسلسل كعلامة فارقة مستقبلاً بسبب الضعف الشديد في الكتابة والإخراج. مع بداية كل حلقة، كنت أجد نفسي أتساءل: "أين نحن؟ ماذا حدث في الحلقة السابقة؟ هل تخطيت حلقة بالخطأ؟"، هناك شعور دائم بالضياع لدى المشاهد، وغياب للاستمرارية، ونوع من الفوضى في تسلسل الأحداث. لكن الخطأ الأكبر والأكثر إزعاجًا كان إقحام مشاهد قاسية ومقززة لا تليق بمسلسل كوميدي يُعرض في شهر رمضان، مثل مشاهد قطع الإصبع والانتحار وغيرها من مشاهد دمويّة كان يمكن، بل ويجب، الاستغناء عنها تمامًا.
إذًا ما هي مقوّمات العمل الرمضاني البارز؟ هل هناك عناصر ثابتة يضمن وجودها جودة العمل ونجاحه؟ هل هو علم دقيق؟ هل هي كيمياء أم "هي كيميا؟!"