ديجر.. تحديد العدو أهمّ من مواجهة الكارثة
سماح بصول

يقدّم فيلم Digger (2026) للمخرج أليخاندرو إناريتو وبطولة توم كروز وراز أحمد، صورة ساخرة عن أمريكا التي تحاول، حتى وهي تدفع العالم نحو مجموعة متسلسلة من الكوارث، أن تحتفظ بالهيمنة على السردية. فـ "كونترول ذا ناراتيف" ليست مجرد جملة يقولها رجل ثري يتحكم في كميات هائلة من النفط المستخرج من جزيرة جرينلاند، بل يصبح الشعار الحاكم لكل شيء: صورتنا أمام العالم، وما يقوله الآخرون عنّا، أهمّ من الكارثة نفسها. لا يهمّ ما يحدث بقدر ما يهمّ كيف نروي ما يحدث، وكيف نعيد صياغة الحقيقة بما يخدم السلطة ومصالحها. يقترب الفيلم بسخريته من فيلم (2021) Don’t Look Upاخراج آدم مككاي وبطولة ليناردو ديكابريو وجنيفير لورانس، إذ يجعل من الرئاسة الأمريكية موضوعًا للنقد بقالب كوميديا سوداء، ويكشف كيف تتحوّل السياسة إلى عرض مسرحي، وكيف تصبح الكارثة فرصة جديدة لاستعراض القوة وتلميع الصورة.

ان شخصية ديجر روكويل (توم كروز) شخصية تتصرّف على طريقة إيلون ماسك؛ رجل يعتقد أنّه قادر على امتلاك العالم وإعادة تشكيله وفق أهوائه ومصالحه. أقنعته متعددة وهي جزء من أدوات حكمه وسيطرته حتى على مقر الرئاسة الأمريكية التي تبدو في حالة عجز واحتضار.

ان قبعة الكاوبوي التي يعتمرها ديجر روكويل تختزل صورة أمريكا التي تريد أن تظهر بمظهر القوّي الذي لا يهزم، حتى عندما تكون هي سبب الخراب. وفي هذا العالم، تتشابك مصالح الحكومة والأثرياء، ويصبح الفساد أكثر من مجرّد خلل في النظام؛ إنّه النظام نفسه.

لا يكتفي الفيلم بالسخرية من الرئيس كرأس هرم السلطة، بل يذهب أبعد من ذلك لنقد الخطاب الذي يبرّر تدمير العالم باسم المصلحة الوطنية. أمريكا تدمّر العالم، وأوروبا ليست بمنأى عن هذا الدمار، فيما تتحوّل حماية البيئة إلى كذبة تُغطّي وراءها كوارث أكبر. عندما تتراكم الأزمات، تعود الحرب الروسية الأمريكية الى الواجهة، انها الشماعة التي تعلق عليها أمريكا كل شرورها. ثم حين تنفع روسيا كمبرر تدخل الصين الى خط التهديد الدائم، وتُصور الصين كسرطان يهدّد الجسد الأمريكي والعالم.

بينما تتّجه البشرية نحو الهاوية، يستمرّ تبادل الاتهامات، وكأنّ تحديد العدو أهمّ من مواجهة الكارثة.

يقف ديجر روكويل في قاعة المحكمة في هاغ، يقف واثقًا أكثر من القاضي، ويوبخ العالم من أهم منصة حقوقية: "أنتم تعترضون على ما يحدث، غير أنّكم، في أعماقكم، تريدونني أن استمر في الحفر؛ لأنّكم تريدون البنزين الرخيص والتدفئة". هنا يضع الفيلم إصبعه على التناقض بين الموقف الأخلاقي والمصلحة الشخصية، بين الغضب المعلن والرغبة الخفية في استمرار النظام الذي ينتج الكارثة. وحين تتفاقم الأزمة، ويكاد ديجر يسقط، يتحوّل الغضب الجماعي إلى مجرد لحظة عابرة موثقة بالهواتف. الجميع مشغولون بالتصوير والنشر، ولا أحد يتوقّف ويُسائل عن السبب الحقيقي للمشكلة. ينشغل الناس ببعضهم، ويتحوّل النقاش إلى صراع بين الأفراد، فيما تختفي المسؤولية السياسية والاقتصادية خلف ضجيج الاتهامات المتبادلة.

على المستوى الشكلي، تبدو المونولوجات الطويلة التي يقدمها ديجر والعالم هندي الأصل جانيش (راز أحمد) أداة أساسية في بناء الخطاب النقدي؛ شخصيات تتحدّث بإسهاب، وخلفيات تردّد فيها الجوقات كلمة واحدة، في حركة تجمع بين الاستعراض والنص اللاذع. كأنّ السياسة نفسها أصبحت مسرحًا، وكأنّ الجمهور والممثلين يؤدّون أدوارًا محفوظة في عرض لا يتوقّف. يتسلّل الشحوب إلى الصورة، ليعكس عالمًا فقد حيويته، بعد أن سيطرت عليه شعارات اللغة السياسية.

وسط هذا العبث، تبرز مفارقة لافتة في شخصية من يحاول إنقاذ العالم: رجل هندي أسمر يتحدّث الإنجليزية بلكنة واضحة. وكأنّ الفيلم يزيح، ولو جزئيًا، مركز البطولة عن الصورة الأمريكية التقليدية للمنقذ الأبيض الغربي، ليضع الأمل في شخصية تنتمي إلى موقع مختلف عن مواقع السلطة والهيمنة. لكنّ هذا الأمل لا يلغي التناقضات التي تحكم العالم الذي يحاول إنقاذه، ولا يبدّد السؤال عن مَن يملك حقّ تعريف الخطر، ومَن يقرّر كيف ينبغي مواجهته.

حين يفقد العالم الماء والطعام والاتصالات، ويصبح البشر أمام انهيار شروط الحياة الأساسية. يتوجّه الناس إلى الله طلبًا لمعجزة، بينما يرقد الرئيس متجمّدًا في برّاد مخزن الأطعمة، في صورة تختزل مفارقة عالمٍ يعلّق مصيره على الخلاص الغيبي، بعدما عجزت أنظمته السياسية والتكنولوجية عن إنقاذه. وعندما تقع المعجزة، لا يعود السؤال مقتصرًا على النجاة، بل يمتدّ ليطال طبيعة الخلاص نفسه: هل يطرح الفيلم تساؤلًا عن الإيمان والدين، أم يسخر من فكرة المعجزة حين تتحوّل إلى بديل للمسؤولية؟ وكيف يمكن فهم عالم يقدر الأثرياء فيه الحصول على كل شيء، حتى بعد كل الشرور التي ارتكبوها، فيما يقف الفقراء أمام واقع لا يجدون فيه ما يأكلونه؟ هل هذا هو العدل؟

"تكون ملكًا يومًا، ورمادًا في علبة يومًا آخر"؛ تبدو هذه العبارة التي يلقيها ديجر روكويل على مسمع طفل وهو يحمل رماد قطته المفضلة التي تم حرق جثتها كأنّها تلخّص هشاشة السلطة، وتذكّر بأنّ المجد الذي تصنعه الصورة قد ينتهي إلى لا شيء. غير أنّ الفيلم لا يكتفي بتعرية وهم الخلود والسلطة والثراء، بل يكشف عن خدعة أخرى: خدعة المسرح، وصناعة عالم بديل يمكن الاحتماء به كلما أصبح الواقع أكثر تلوّثًا وقبحًا. فبينما تنشغل الشخصيات بصناعة المشهد وإدارة الانطباعات ونيل التقدير والتصفيق والتهليل، يستمرّ العالم الحقيقي في الانهيار والتلوّث.

هنا تبرز فكرة الهروب من الواقع (Escapism) بوصفها أحد المفاتيح الأساسية لقراءة الفيلم. فالمسرح السياسي، والاستعراض الإعلامي، والصور التي تُلتقط بالهواتف، وحتى المعجزة التي ينتظرها الناس، قد تتحوّل جميعها إلى وسائل للهروب من مواجهة الأسباب الحقيقية للكارثة. نصنع عالمًا بديلًا، ونصدّق أنّنا نعيش فيه، بينما العالم الفعلي يحتضر. هذا الهروب، مهما بدا مريحًا ومقنعًا، لا يغيّر الواقع؛ بل يمنحنا وهمًا مؤقّتًا بأنّنا لا نعيش داخله.

والسؤال الذي يتركه الفيلم مفتوحًا: هل نريد فعلًا إنقاذ العالم، أم نريد فقط أن تستمرّ الحياة بالطريقة التي اعتدناها برفاهيتها وقسوتها، هل نفضل "منطقة الراحة" حتى لو كان ثمنها تدمير العالم؟

جميع الحقوق محفوظة © 2026