Verity .. إثارة على ورق هش
سماح بصول

إن قراءة رواية مثيرة تُحدث ذهن القارئ حالة اشتباك بين العقل والنفس، وعندما تختار السينما تقديم معالجة لنص هذا، تصبح المقارنة الحثيثة بين المرئي والمكتوب أمرًا لا مفر منه. وفيلم " Verity" لمايكل شوالتر (2026) خير مثال. الفيلم مأخوذ عن رواية إثارة عاطفية تحمل نفس الاسم للكاتبة الأمريكية كولين هوبر والتي صدرت في العام 2018.

تجسد الممثلة آن هاثاواي شخصية الكاتبة الشهيرة فاريتي كروفورد فيما تجسّد داكوتا جونسون شخصية الكاتبة الناشئة "لوين" التي تكتب روايات تشبه بأسلوبها أعمال "فاريتي"، يتضح سريعاً لكل من طالع الرواية الأصلية وجود هوة واسعة بين الثقل الدرامي للرواية والمعالجة المتسرعّة التي قُدّمت سينمائيًا.

تقوم حبكة الرواية على مثلث معقد يجمع بين الكاتبة الناشئة "لوان"، و" جيرمي" زوج "فاريتي" المحاصر بالآلام ويجسد دوره الممثل جوش هارتنت، والكاتبة الشهيرة "فاريتي" التي يُعتقد أنها في حالة شلل تام، بينما تُمارس تلاعبًا محكمًا يمتد على مدار سنوات. وقد تميزت الرواية بالصبر في بناء هذا الخداع، مانحة القارئ تجربة فريدة في التيه بين الحقيقة وما يُفترض أنه الحقيقة، عبر تفاصيل حُبكت بتأنٍ ورفع مستمر لإيقاع الإثارة النفسية.

في المقابل، جاء الفيلم بمسارٍ سريع ومجتزأ على الرغم من أنه يمتد لـ 120 دقيقة- وهو وقت كافٍ لتأسيس صراع درامي متين ؛ إذ اختار صُنّاع الفيلم اقتطاع مجموعة صغيرة من الأحداث والربط بينها بصورة تبدو غير متناسقة في كثير من الأحيان، فتطور الأحداث والتدرج في إظهار المواقف المخيفة والغريبة تم بنوع من الاستعجال والانتقائية غير المنطقية، وبأسلوب يفرغ المشاهدة من شحنة الترقب.

 

بين الكلمة والصورة

 

في الرواية، تشكل عملية قراءة المخطوطة التي تعكس جانبًا مظلمًا من شخصية "فاريتي" مركبًا جادًا ومقنعًا؛ حيث يتضح من خلال ما كتب فيها أن تعاظم غيرتها من أطفالها ينبع من حب تملك مرضي لزوجها "جوش". أما الفيلم، فقد اختزل هذه التعقيدات النفسية ليقدم الشخصية بأسلوب سطحي كإمراة أنانية أو مهووسة فقط، مجرّدة من دوافع الغيرة العمياء التي أسست لها الرواية، وقد يكون في هذا بعض الظلم لأداء الممثلة آن هاثواي التي نجحت في اقناعنا بجزئية دورها كفاريتي السليمة الحيوية المبدعة ثم خمدت كما خمد جسد فاريتي المدعية الشلل.

ولبناء إثارة نفسية عميقة كان علينا التعرف على الشخصات والعلاقات والخلفيات،  فقد أسهبت الرواية في سرد حياة التوأم، بداية من ولادتهما ونموهما والعلاقات الاجتماعية حولهما، مما جعل موتهما دراميًا ومؤثرًا. بينما اكتفى الفيلم بالتعريج سريعًا على حادثة موت الطفلتين، بل وألغى تفصيلة جوهرية تكمن في وفاة إحدى التوأمين نتيجة حساسيتها لزبدة الفول السوداني، وهو تفصيل منح الرواية بعدها المرعب في الشك والتخطيط المسبق.

أغفل الفيلم عددًا من عناصر التوتر المكانية، واكتفى ببث حالة ترقب من خلال الظلمة التي سادت داخل بيت فاريتي وجيرمي، فيما أغرقتنا الرواية بالشكوك وعمقت حالة الرعب النفسي حين حبست "لوان" و "جيمي" في غرفة النوم، أو حينما ساورنا الشك بأن باب القبو سيغلق خلال وجودهما فيه. هذه الأماكن والمواقف لم تكن مجرد ديكورات في الرواية، بل كانت أدوات حيوية تُضاعف منسوب التوتر.

 

هذا النقد لا يتغذى على تعصب للنص الأدبي أو مطالبة بمطابقة حرفية للرواية، بل يتساءل في اختيارات صنّاع الفيلم لأجزاء عينية من الرواية والترابط بينها بشكل منطقي يزداد تعقيده شيئًا فشيئًا ثم يُفضي الى نهاية لا تقل إثارة وشكًا وقلقًا عن متن الفيلم.

لكي يبني الفيلم شخصية خائفها مبرر وشكوكها مقنعة، تحتاج للتأسيس التدريجي؛ فكيف يمكن للجمهور أن يشك في شخصية بحجم "فاريتي" بهذه السرعة السطحية، وكيف يمكن لشخصية "لوان" أن تكسب ثقة وحب رجل يعاني من صدمات متكررة بهذه السرعة دون مواقف وتراكمات تبني تلك العلاقة والثقة والرغبة. وكيف يمكن لـ "لوان" أن تحب الرجل وتشتهيه دون أن تتعمق في قراءة نصوص تصفه كعشيق مذهل، تشعل فيها الغيرة والرغبة!

لقد وقع الفيلم في فخ الاختزال، مضحيًا بالبناء النفسي، ومقدمًا عددًا من المشاهد الجنسية التي تضف شيئًا للهدف الأساسي للنص : ما هي الحقيقة؟ ليثبت مجدداً أن الرواية في هذه الحالة تتفوق كثيرًا ولعل قراءتها أجدى لممارسة التلاعب بالعقل.

 

ع الهامش: ماذا لو استبدلت داكوتا جونسون بنتالي بورتمان؟ إلى أي مستوى كانت ستأخذ الشخصية "لوان"؟

الصورة عن: imdb

جميع الحقوق محفوظة © 2026