وقوع "الحيوانات" في فخ الركاكة
سماح بصول

من بدايات واعدة لموهبة جدية، ظلت مسيرة بن أفليك السينمائية في رحلة صعود متواصلة تخللتها محطات فارقة. لكن هذه المسيرة التي اتسمت بالتنوع والشجاعة في اختيار الأدوار وكتابة السيناريو والإخراج، تقف اليوم أمام وقفة نقدية قاسية مع فيلم حيوانات ((Animals 2026، الذي يخيب الآمال ويقدم واحدة من أكثر تجارب افليك  الدرامية ركاكة.

أطل أفليك على الجمهور عبر الفيلم المستقل "Good Will Hunting" (1997، وهو الفيلم الذي لم يكتفِ فيه بتقديم أداء تمثيلي مقنع وشخصية ممتعة، بل فاجأنا بنص سينمائي بديع شارك في كتابته مع صديقه مات ديمون، وحصلا معاً على جائزة الأوسكار لأفضل سيناريو أصلي. كانت تلك الانطلاقة بمثابة إعلان عن ميلاد نجم شمولي، استطاع أن يرسخ أقدامه في أفلام الاستوديوهات الكبرى والأعمال الضخمة مثل  "Pearl Harbor"

ورغم مروره بفترة تراجع مهني مؤقتة، إلا أنه سرعان ما أعاد اكتشاف نفسه من بوابة الإخراج والكتابة؛ فقدم فيلم الإثارة السياسي "Argo" (2012) الذي حصد عنه جائزة الأوسكار لأفضل فيلم وجائزة "بافتا" لأفضل مخرج.

لكن هذا التاريخ الحافل بالجوائز والخبرة لم يمنع سقوطه الأخير في فيلم "حيوانات"(Animals) الذي يعرض عبر منصة نتفليكس. قام أفليك بدور البطولة إلى جانب الممثلة كيري واشنطن، وكذلك الإخراج والمشاركة في كتابة السيناريو. يدور الفيلم حول "مارك كيمبل"، المحامي المرشح لمنصب عمدة لوس أنجلوس، رجل أبيض متزوج من امرأة سمراء البشرة تعمل كمعالجة نفسية، يضع كيمبل جهدًا كبيرًا في الحصول على أصوات الاتينيين فيتحدث لغتهم ويتعامل مع مشاكلهم واههمها قضية الهجرة. يتعرض ابن الزوجين كيمبل للاختطاف فيحاولان الحصول على مبلغ الفدية بذاتيهما بعيداً عن أعين الشرطة، بمساعدة شخصية غامضة تقدم المشورة في حالات طوارئ كهذه، يتسم العمل معها بالكثير من الضبابية والشك، امرأة تبلس الابيض على الرغم من ان دورها يتسم بالكثير من السواد والشيطنة.

في حبكة كان يُفترض بها أن تجمع بين التوتر الأمني والتعقيدات السياسية والعرقية، اذ يتضح بأن المخطوف هو ابن مدبرة منزل الزوجين كيمبل من أصول مكسيكية وزوجها الذي يعيش في الولايات المتحدة بشكل غير قانوني، يفشل الفيلم كلياً في خلق أي حالة من الترقب أو الإثارة، رغم أن المادة الخام للقصة قوامها خطف طفل ومفاوضات فدية والوقوع في المطب الاخلاقي عند معرفة هوية الطفل المختطف والى اي مدى يمكن لمرشح الرئاسة المحلي ان يستمر في النضال من اجل حياة الطفل وتقديم 7 ملايين دولار مقابل اعادته الى حضن والديه.

بدلاً من الإمساك بإيقاع التشويق، والتركيز على القضية الاخلاقية التي تستدعي الكثير من الانتباه والابداع في تناولها وهي هوية وعرق الطفل المختطف، ينشغل الفيلم بتفاصيل مفككة؛ فالزوجة تحاول استعادة الحب والاهتمام عبر علاقة جانبية، والمفاوضات مع الخاطف توقظ أسراراً عائلية ببرود تام، فلا تتمكن الحوارات أو الحبكة من تقديم أسرار يمكنها حقًا ان تفكك عائلة تدخل معترك السياسة، فالانتخابات الامريكية تركز كثيرًا على قضية العائلة ومدى ترابطها، وهنا نجد بناءً هشًا جدًا لا يبعث فينا أي رغبة في الانحياز الى اي من الزوجين حين يستعرض امامنا أسراره "الخطيرة".فالأسرار التي تعتمد عليها الحبكة تبدو عادية ولم تنل حقها من التفكير والصياغة، كما أن الشخصية الرئيسية التي يقدمها أفليك لا توحي منذ البداية بأي عمق أو خبث قد يخفيه، وحتى عندما يجاهر كيمبل في أنه لا يريد ان يكون سيئًا كوالده ولا يريد ان يكون فاسدًا مثل منافسته، لا تقدم ههذ المواقف بقالب درامي يجعل التحولات ذا قيمة.

بما ان قضايا الهجرة تشغل الامريكيين كثيرا، لا سيما في الجنوب حيث القرب من امريكا اللاتينية التي يفد معظم المهاجرين منها، فإن المحاولة المقترحة لتقديم قضايا التوتر العرقي وملف المهاجرين غير الشرعيين تأتي باهتة ولا تقدم المطلوب منها، واذا اعتبرنا ان اختطاف طفل من اصل لاتيني هو اختبار ولاء كيمبل لمنتخبيه من الاعراق غير البيضاء، واختبار للانسانية التي تسقط مرة تلو الاخرى امام المهاجرين، فإن الفيلم لا يجتهد ولا يضعنا امام تساؤلات عميقة لان هوية كل المحيطين بكيمبل تبقى مجهولة.

خلال مقابلاته المتلفزة التي يتحدث فيها كيمبل عن بطولته في انقاذ الطفل المختطف، تتكشف بعض التفاصيل حول دور والد الطفل في مهمه الانقاذ، وحول قتل كيمبل للمستشارة ذات الرداء الابيض التي لا نفهم طبيعة علاقتها مع عالم الاجرام والمختطفين، ويشي الفيلم بأن لدى كيمبل ما يخفيه الان من أسرار حقيقية وخطيرة تتزامن مع الحديث عن امكانية ترشحه لرئاسة الولايات المتحدة.

هل يريد الفيلم التشكيك بنزاهة كل مرشح؟ هل يود الإشارة الى ان مفهوم العائلة التي تتكئ عليه الانتخابات هش وكاذب وغير مثالي بتاتاً؟ هل يود ان يشير الى ان المهاجرين يدفعون اثمانًا سياسية ومجتمعية مثل اي امريكي ابيض؟ هل يريد تقديم صورة لإنسان يغامر من اجل انقاذ حياة انسان اخر بغض النظر الى انتمائه العرقي؟ تمر ساعة و 50 دقيقة دون ان ننجح في تلقي اجابة وافية عن اي من هذه الأسئلة، ولا نعرف حقًا من "الحيوانات" الذين يريد الفيلم الإشارة اليهم!

 

جميع الحقوق محفوظة © 2026